وحش في الخزانة

 

moncloset

نراقب الوقت بعيني من ينتظر موعده مع حزنه وها قد دقت ساعة البندول معلنة الثامنة والنصف ليلاً

-"هيا .. إلى النوم"

نتوجه إلى ما نكره، تتشارك في رأسي هموم المدرسة والدراسة غداً مع هم مقابلة ذلك الوحش من جديد، فتسود فيه غمامة الأرق من جديد.

افترشت السرير وغطيت وجهي حتى أنفي دون أن أشيح بنظري عن الخزانة التي تأبى الرطوبة أن تغلق دفتيها.

هاهو ذاك الوحش يراقبني من وراء الثياب الملونة المرصوفة فيها ومن وراء الأكياس السوداء ، يهيأ لي أنها كانت تزاح بين الفينة والأخرى ليخرج برأسه مطلاً علي.

ذاك الوحش، ضخم الجثة ، ملفوف بكامله بشرائط بيضاء قماشية، وبوجه مثخن بالتجاعيد تحجز كرتي عينيه فتمنع خروجهم في وجهه، لم يفارق مخيلتي ، كنت أراه مترقباً مثلنا، متحيناً للحظة، لحظة أن يحتل الظلام حيزاً اكبر في الغرفة.

وتمر الساعات دون أن أفكر بالنوم ودون أن يبارح صفوف الثياب التي تترّس وراءها.

-"لم تناموا حتى الآن ..؟ ناموا، بكرا عندكم مدرسة"

وكأننا نحتاج من يزيد على همنا هماً جديداً، لم تكن محاولات هاني بالتظاهر بالنوم وقتها تفيده.

-"مشان الله، لا تقفلي ضوء الممر"

لم يكن رجاؤنا هذا يلقى آذاناً صاغية دوماً ، لم يعرف أحد بسرنا ، بالوحش المختبئ بالخزانة ، كنا نقف دوماً وراء حاجز الخجل دون القدرة على العبور ، فما وراؤه لا يقل إرباكاً عما أمامه.

وأقفل النور الأخير الذي يشرف على غرفة النوم من خارجها، وتحولت غرفة النوم لمملكة خاصة به الآن، وأخذت الثياب والأكياس تتكون لتشكل مشهداً مرعباً ، كنا نحاول الدخول في حوارات فيما بيننا .. أي كلام يخطر على البال محاولين تجاهل وجوده ، لكن عبثاً كنا نحاول، وفجأة يأتي النعاس لينقذنا من رعبنا وينتشلنا منه.

مرت سنين، نتواعد فيها مع هذا الوحش حتى أصبح جزءاً من قصة نومنا المرعبة جزء لم يقدّر طوال أيام هذه السنين أن يتقلص ، لم يختلف فيها سوى متاريسه من الأكياس والثياب والمشهد المرعب الذي كان يخلف وراءها

كان يخرج أحياناً من وراء الأكياس ، أو يتحضر للخروج فنغمر رؤوسنا بالغطاء محاولين تجنب وجهه وقبضته الكبيرة، الفكرة الوحيدة التي تدور برأسي الذي أغرقه العرق هي:

-"الآن بعد ثانية أو اثنتين سيزيح عن وجهي الغطاء ليطل بسحنته المرعبة"

ها نحن نكبر ومع مرور الأيام بدأ يتململ من وجوده فما هو خرج ولا نحن تجرأنا على اقتحام مكان وجوده، كان يغيب أحياناً ، وينسانا راقدين في أسرتنا، هاهي السنين تمر وغيابه يطول يوماً بعد يوم حتى أتى ذلك الزمان الذي غادرنا فيه دون رجعة، تغيرت همومنا حتى نسيناه.

أين ذهب؟ لمَ ترك مكانه في ذلك الركن المظلم من الخزانة؟ لماذا لم يعد يطل برأسه البشع؟ لوهلة انتابني شعور بالاشتياق لنظراته اشتقت لوجوده وكأنه خلف وراءه فراغاً، اشتقت لتلك المخيلة التي كانت تجعلني اتصور الثياب تزاح من مكانها والأغطية التي كانت تتحرك ليخرج من ورائها.

نعم اشتقت له.

ربما سيأتي ذلك اليوم الني ستستنجد فيه ابنتي بي وتخبرني قصتها عن وحش لا يبارح مكانه في إحدى أركان غرفة النوم طالبة أن اكون لجانبها طول فترة نومها ..

يا ترى حينها هل سأخبرها بقصتي مع وحشي الذي أشتاق له ولذكراه اليوم.

كتبت عام 2007

الأوسمة: , , ,

3 تعليقات to “وحش في الخزانة”

  1. عطاالله Says:

    وهناك سؤال آخر : هل ستشعل لها ضوء الممر ؟؟

  2. uramium Says:

    لأظن ، من حقها أن يكون لها وحشها الخاص ، حاولت أن أقرأ لها عن الوحوش الطيبين كما في قصة الجميلة والوحش أو أولئك الذين _بتحريف مني على القصة_ يتوبون عن توحشهم ، كلنها ستخرج في يوم من الأيام إلى الحياة وتعرف وحوشاً ممن ليسوا كذلك
    شكراً عطا الله

  3. وفاء Says:

    معك حق أن تشتاق لوحش وهمي في الخزانة أمام ماتراه من وحوش على أرض الواقع،
    ما أجمله من وحش خدعة يحمل لنا ملامح وذكريات الطفولة ، أمام الوحش القابع في قلب البشر..
    أما نحن فكان لدينا وحشان .. الأول أبو عمامة ، كانوا يقولون لنا ناموا قبل أن يأتي أبو عمامة..حتى الآن لا أدري ما سر العمامة..
    والوحش الثاني صغير الحجم جداً مجسد اً بالإبرة والألم الذي تسببه … “يلي مابيقعد عاقل بدنا نغزو ابرة “. كبرنا وكبر وهم الإبرة على ضآلة حجمها..
    “ربما سيأتي ذلك اليوم الني ستستنجد فيه ابنتي بي وتخبرني قصتها عن وحش لا يبارح مكانه في إحدى أركان غرفة النوم طالبة أن اكون لجانبها طول فترة نومها “..

    أخ رامي جميل جداً أن نشعر بحاجة الأبناء لنا، لكن ليس بلحظات الخوف الذي نكرسه نحن في قلوبهم الصغيرة كما فعل بنا الآباء ،
    ربما يكون من االأولى بنا أن نحاول قدر الإمكان اجتثاث جذور الخوف من قلوبهم الصغيرة .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: