بين باسل والياس .. واصطدامنا بالآخر

الياس الشبح

كنت عائداً بسيارة الشركة الساعة 3 صباحاً إلى المنزل ماراً بأحد شوارع الحي ، لمحت رجلاً يقف بمنتصف الطريق، يحدق بالسيارة، جمد هذا المشهد الدم في عروقي، توقفت السيارة أمامه ونظر إليه السائق محتاراً فيما يفعل، لم يبرح مكانه ومرت ثوان ثقيلة جداً قبل أن يترك لنا منتصف الطريق لنمر ، ليعود إلى منتصفه ويحدق في الفراغ من جديد.

سألني السائق من هذا وماذا يفعل في هذا الوقت؟ لم أدر بما اجيبه

كنت أصدفه في شارع حينا كثيراً، يحدق بي دون كلمة ، نظرة جامدة وكأنني أذيته بحادث سابق، نظرة ميتة، نظرة من يود الانتقام من شيء تجعلني أتجنب المرور بجانبه إلى أن لمست أن هذا ما يقوم به حيال كل من يمر بجانبه، وكأنه حي ميت.

سألت أحد الأصدقاء في الحي عنه فأخبرني قصته:

“هذا الرجل كان في احد فروع الأمن وقد طلب منه أثناء خدمته ضرب أحد المشتبه بهم فقام بذلك حتى قتله مما أدى لاضطراب نفسي شديد فيه أدت إلى تسريحه من الخدمة”

البعض الآخر أشار إلى بعض المبالغة في هذه القصة، ورغم هذا  لا زال إلى اليوم يجوب الشوارع ويقف فيها في أوقات الليل المتأخرة، مما ضرب حوله ، بالنسبة لي على الأقل هالة من الغرابة .. “كم هو غريب الانسان”

باسل مرحباً

بدأت قصته عندما مررت به مرة بوجود صديق لي، فألقى التحية علينا وصافحنا ودون أي كلمة ، فقط السلام وابتسامة ثم تابع طريقه.

– “هل تعرفه؟” قال صديقي

– “هذه أول مرة أراه فيها”

تكررت هذه الحادثة كثيراً معي ، ثم شاهدتها منه مع كل من يمر بالشارع.

ليس هذا اسمه، هو شاب أصيب بمرض ربما حمى أدت إلى خلل في رأسه، لم أكن أدري هذا الأمر عنه في البداية، والغريب أن هذا الفتى يعمل كأجير في منشرة ألومنيوم ويعيش من تعبه رغم علته.

هذان الرجلان من عائلتين مختلفتين، جعلني الطريقة المتناقضة التي يتصلان فيها مع محيطهم في حينا أتأمل في حالهم، وربما في علاقة الخلل الذي أصابهما في رميهما على طرفي قواعد اتصالنا مع بيئتنا.

نحن نعيش في الوسط، لسنا الياس ولا باسل نمر بآلاف الناس دون أن نتذكر منهم واحداً ولا يذكروننا بدورهم.

نقلني هذا للتساؤل بشعورنا بالآخر ، من يعيش بمحيطنا، ضمن أضيق دوائرنا الحياتية، زوجتي .. أخي .. ابنتي .. أمي وأبي، وكيف أضحينا نحتاج لشيء شاذ كالصدمة التي يخلفها هذين الرجلين لنشعر بهما وربما يدفعنا هذا الشعور للبحث وراء كنههما.

تذكرت قول Don Cheadle  في فيلم Crash:

: It’s the sense of touch. In any real city, you walk, you know? You brush past people, people bump into you. In L.A., nobody touches you. We’re always behind this metal and glass. I think we miss that touch so much, that we crash into each other, just so we can feel something.

“إنها حالة اللمس. في مدينة حقيقة نسير ، نبحث في الماضي عن أناس يظهرون في ذاكرتنا، في لوس أنجلس لا أحد يلمسك.. دائماً نعيش خلف هذا الزجاج والمعدن، أظن أننا نفتقد تلك اللمسة كثيراً، مما يدفعنا للاصطدام ببعضنا البعض، بهذا فقط نستطيع أن نشعر بشيء حيال الآخر”

قد تمر شهور أو سنين دون أن تسأل أخيك أو صديقك أو أي شخص قريب مابه، لكنك بالتأكيد ستفعل إن وجدته يبكي أو يصرخ بك، إن كان صامتاً ستمر به وبهمومه دون سؤال.

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

8 تعليقات to “بين باسل والياس .. واصطدامنا بالآخر”

  1. soos Says:

    تدوينة عميقة جداً.. النفس البشرية تحمل بداخلها صدمات كبيرة تظهر بين الحين والآخر بطرق عجيبة. بماذا يفكرون ياترى؟ بماذا يشعرون؟

    نحن لا نلمس الآخرين إلا وقت الضرورة. كم هو مؤسف هذا الشيء. لكن بالمقابل إذا كان الناس في لوس أنجلس لا يلمسون بعض فهم في دمشق يلمسون بعضهم زيادة عن اللزوم!

    بقدر مايكون ذلك الحاجز الزجاجي مزعجاً بقدر مايكون ضرورياً أحياناً مع أناس لا تقدر معنى الخصوصية.

    تحية مشعة

  2. دنيا Says:

    “قد تمر شهور أو سنين دون أن تسأل أخيك أو صديقك أو أي شخص قريب مابه، لكنك بالتأكيد ستفعل إن وجدته يبكي أو يصرخ بك، إن كان صامتاً ستمر به وبهمومه دون سؤال”

    انا بحس اذا في حب وحنية بقلوب الناس بتحس ببعضها..وبتسأل عن بعضها وعن احوالها
    بس أحيانا في كتييير شغلات بتضل طي الكتمان وما حدا بيشارك التاني فيها ابدا..

    “خليها جوا تجرح ولا تطلع لبرا وتفضح” هاد هو المبدأ يلي بيشتغلو عليه

    بس لو منسأل عن بعض ومنراعي بعض دايما…كنا وصلنا لغير مكان..

    شكرا صديقي…

    • uramium Says:

      الإيقاع المتوتر وضغط الحياة يغيبانه أحياناً، لا يبقى الحب طافياً على السطح دائماً، يحتاج المرء لوقفة تأمل لما حوله ليدرك ما تشيرين له .

      أشكر لك مرورك

  3. وفاء Says:

    يورلميوم عذراً على التطفل إلى مدونتك، أتابع المدونات وأهتم بها لقناعتي أنها جزء من الوجه

    المضئ لمحتوى عربي مستقبلي، أعجبني الموضوع وشدني،وذكرني بأحد أفلام كرتون

    شاهدته وترك أثراً لم يمح حتى الآن من ذاكرتي.

    المشهد : أطفال صغار يصطفون بنظام قرب آلة لها شكل يد يذهب طفل تلو الآخر باتجاهها يضع

    نقوداً فيها فتمتد اليد فوق رأس الطفل وتمسح عليه فيبتسم الطفل.وهكذا دواليك.

    أطفال يشترون لمسة حنان من قبضة آلة بدل الأهل الذين ربما ليس لديهم وقت يمنحونها لأبنائهم.

    لك أن تتخيل ماذا تعني تلك اللقطة كم هي موجعة وقاسية ومدى خلفيتهاالاجتماعية والنفسية.

    موضوع جميل وجدير بالقراءة

    عذراً مرة أخرى على التطفل

  4. حسام الاخرس Says:

    إنعزالي وإلعب وحدك ترجع راضي هذه الشعارات التي نسمعها دائما مما سبب إعاقة وإنعزال إجتماعي تام عن المحيط ويمكنكم التأكد من تويتر عن مدى إنعزاليتنا إجتماعيا

    • uramium Says:

      تويتر وغيره من مواقع الشبكات الاجتماعية نافذة كبقية النوافذ التي نتواصل بها مع بعضنا البعض ، لا يمكن اعتباره إشارة أو دليل على ما تقوله.

      ربما تتحدث عن أمر مختلف عما في هذا الموضوع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: