تداعيات 6 : صورة على جدار

أخرج مفاتيحه وأخذ يديرها في قفل الباب، مع رنينها وطرقها عليه تلاشت أصوات أولاده وراءه، تبادل النظرات معهم وتوجه إلى المطبخ، بحركة آلية أخرج طبقاً وبدأ بصب الطعام وأخذ بتناوله بحركات سريعة مسترجعاً ما حدث اليوم في المنشرة وكلمات صاحبها له
– “تأخرت بتوصيل الطلبية لأبو بسام”
– “ثقب معي إطار السيارة، أأخبَرك بأني أنزلت الألواح بنفسي؟”
– “أنت من تأخر عليه !”
– “العفريت الذي معي صغير ولايمكنه رفع السيارة بحمولتها، اضطررت أن أوقف سيارة كبيرة لاستخدم عفريتها”
– “أنت بهذا تربكنا مع الزبائن، الحالة لم تعد تحتمل”
قطعت شهيته، ترك طبقه متوجها للمغسلة، نظر في مرآتها متحسساً الشيب في ذقنه، فتح الماء وبدأ بصبه على يديه ووجهه، أدرك عصبيته في فعل ذلك فأغلق الصنبور وتوجه إلى غرفة نومه وبدأ بتغيير ملابسه، كان ضوء النهار قد بدأ بالتلاشي تاركاً لوناً أزرقاً مر بالكاد متجاوزاً الستائر، أخرج محفظته تفحص ال 350 ليرة غلة اليوم
“لولا ذاك الحادث اليوم ، لكانوا 500 ليرة، أبو بسام بحالته الطبيعية يدفع الإكرامية وكأنه ينتزعها من روحه” قالها في خلده وهو يدسها بجيب الجلباب، متوجهاً إلى غرفة الجلوس
– “يعطيك العافية أبي، أعجبك الطعام؟” قالتها ابنته الكبرى
– “الله يعافيك ويرضى عليكِ”
– “أبي، استاذ الرسم عاقبني اليوم وقال إن لم أحضر دفتر رسم وألوان سيستدعي ولي أمري” قالها ابنه الأصغر ملتفتاً إليه
– “وأنا أبي، أريد حذاء جديد، رفاقي يسخرون من حذائي في كل درس رياضة” قالها أخوه بسرعة قبل سماع رد أبيه على طلب أخيه
– “عندما يصل أخوكم سعيد، أذهبوا معه ليشتري لكم أشياءكم”
حاول الاتكاء على الأريكة لكن برقاً ضرب كتفه أعاده للجلوس، ماكان عليه حمل ألواح الخشب، لم يعد هذا بالإمكان كسابق العهد.
نهض وبدأ بالتجوال بمنزله الصغير عاقداً يديه خلف ظهره، نظر لصورة زوجته، أحضرت يوم وفاتها أمامه، الأيام الاخيرة للسرطان، ابنه سعيد يقترب منها حاملاً ابرة المسكن، التفت إليه بعد أن تحسس ذراعها باكياً
– “أبي”
حتى وجهها الموشح بالموت كان يحمل ابتسامة، سقطت دمعة حتى وصلت ذقنه، مع غصة اوقعت ألماً في قلبه، اسود المكان وسقط أرضاً، هرع أبناءه نحوه، حتى اختلط صراخ الكبار بنحيب الصغار.

أجل، إنها وهمية، لولا صور بالأبيض والأسود معلقة على أحد الجدران تجعلها حقيقية

في ذكرى وفاة أمي ، غادرتنا في ذات ساعة نشر هذه التدوينة ، منذ 15 عاماً

Advertisements

الأوسمة: ,

8 تعليقات to “تداعيات 6 : صورة على جدار”

  1. stranger Says:

    رحم الله والديك يا صديقي .
    تستطيع دائما أن ترسم الكوميديا بأقتم ألوانها حين تطيل النظر في احدى زوايا حياتنا اليومية في البيت في العمل في الشارع … وتبدع .

  2. مجنون Says:

    كن رحيماً ..حاول أن تكون ..
    يا رجل !!!

    …………………………………
    …………………………
    …………………………

    صباح 11 أبريل 1994
    كان يوم اثنين ..
    يوم أسود السماء ..
    ربما استطال سواده ليلف شهر نيسان كله .. في كل عام ..
    ولم يقتصر على شريطة حريرية تسكن زاوية صورة معلقة على جدار ..

    رحمها الله .. رحمهُ الله ….

    hani

  3. Marcell Says:

    لأنني أدري أن الكلمات لا تجدي في هذه اللحظات ..
    لست أدري ما أقول

    لك يا صديقي ودي كله 🙂

  4. naim Says:

    may their soul rest in peace. I still can remember her feeding me when i was 8 years old. And i say (i love your food more than my mum’s food) and she laughs. Allah yer7amek

  5. uramium Says:

    Stranger : أشكر مرورك ، أسعدني هذا بحق

    مجنون : وهل هناك كآبة وتناقض تشبه ما يأتي به نيسان من حياة وموت ؟ شكراً لك

    مارسيل: تحياتي لك ، أشكر مرورك

    نعيم العزيز: فاجأني ردك هنا، نشتاق كل ما كان يأتي به حنانها .. تحياتي للأهل وشكراً لردك

  6. سيدة الزرقة Says:

    هذه المرة الخامسة أو السادسة التي تلمح فيها عيني العنوان .. صباح اليوم قرأت المضمون

    وبعدما انتهيت قلت : ليتني لم أفعل

  7. uramium Says:

    ماذا أقول عن كل مرة أقرأ فيها ما كتبت .. أعزي نفسي بكونها وهمية رغم الجروح التي تتركها في..

    أشكر مرورك سيدة الزرقة

  8. ملخص تدوينات أبريل « uramiumian thoughts Says:

    […] تداعيات 6 صورة على جدار : عندما يضحي حزننا تلك النقطة التي تصبغ غيم الأيام باللون الأسود. […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: