تداعيات 5 : في السجن

prison

– "هيا … أدخل"
استطاع بالكاد رؤية خيالات المساجين يتقاسمون زوايا الغرفة دون ملامحهم من خلال ضوء ساحة المعسكر دخل من الباب قبله إليها ، حكم الصمت المكان، بدأ بجر قدمه المتورمة إلى الداخل، سمع صوت جرها على الأرض القذرة، وبعد خطوات قليلة خزق صوت إغلاق الباب المعدني الصمت السائد ، بحث بعينيه عن مكان بين الزوايا المحتلة حتى استقر على واحد اتجه نحوه، اختلط ألم بدنه مع رائحة تمزج كل القرف الذي عرفه بالمكان، كان ألماً جديداً، التصق فيه لحمه بعظامه المتجمدة، ركن ظهره إلى جدار بارد، وبيد مرتجفة شرع بفك رباط حذاء تلعب به قدمه كما تلعب عصا معدنية بجرس، لم تكن رائحة قدمه أكثر سوءاً من رائحة المكان، أخذت عيناه تبحث في المكان بعد أن اعتادت الظلمة عن شيء يتأمله، لم يجد شيئاً مهماً.
خلا المكان من كل شيء محسوس ، إلا من شخير أحدهم، وقرقعة في معدته، تذكر أنه لم يأكل شيئاً، تلفت حوله، حضّره جوعه لأي وجبة قد يجدها في الغرفة، وجد ذات وعاء حساء العدس وبعض الخبز اليابس في المكان الذي اعتاد أن يجد فيه سطل حيث يبول الجميع، جره بيد ، قربه إليه والتقط قطعة الخبز وبدأ بالتهام الطعام بملعقة كانت داخل الوعاء بنهم، وبعد عدة لقيمات انتصرت الرائحة من جديد على انفه فترك الوعاء والخبز وسند رأسه من جديد إلى الجدار ورفع ساقيه ثانياً ركبتيه حتى لامست ذقنه، كان البرد شديداً، حاول النوم ، لم يستطع، زارته صورة البيت والمدفأة والطعام واخوته، تذكر اللحظة التي دخل فيها إلى معسكر التدريب هذا ، تحسس مواضع العصا التي ضرب بها صباح اليوم أثناء درس الرياضة على أسفل ظهره وفخذيه.

"بقي ثلاثة أيام" قالها في باله مواسياً روحه، أغمض عينيه حاول النوم.
لم يدفأ جو الغرفة، كيف وتيار هواء بارد سرق طريقاً له من أسفل الباب، فتح عينيه ، لم يعرف كم نام فالظلام لازال يلف المكان، تجمدت أطرافه على الحال التي كانت عليه عند نومه، حرك يديه بصعوبة، حمل ساقيه الخدرتين، مدهما على الأرض
"بقي ثلاثة أيام، ساعود بعدها إلى غرفة المهجع، حيث استطيع الالتفاف ببطانية"
قرب يديه إلى وجهه ونفخ فيهما ، لافحاً هواء صدره الساخن نحوه، مرة .. مرتين .. ثلاثة، أحس بالرطوبة في وجهه، حيث عاد للتجمد
عادت صور سريره في المنزل إليه، استعاد كل لحظات سبقت وجوده هنا من جديد، تذكر كلمة أبيه
"شد حيلك، بدنا ياك زلمي"
كان ضوء النهار قد رسم إطاراً منيراً للباب، وبدأت أجساد من كانوا بالغرفة تبدو كالجثث مرمية في الجوانب، وصوت عصافير وصل مخنوقاً إليه
عاد النعس ليغزوه ، كاد أن يحتله، لولا صوت أتى من بعيد اخترق عظامه
"اجتماااااااااااع"
وكأنها صرخة لشخص أطلقها قبل أن يلفظ روحه
تسارع نَفَسه، مع خيوط دمع غزت خديه، لم يتمالك نفسه، استوقف صوت صراخ حزن خارجٍ من السجن بضعة عساكر مروا باتجاه مغاسل المعسكر، اختلط بصوت اغنية كررت كل صباح "قديش كان في ناس .. عالمفرق تنطر ناس" مشوهة من مكبرات صوت مهترئة توزعت في ساحة المعسكر.

القصة وهمية، لولا آثار جروح قديمة على ساق أحدهم، تجعلها أكثر من واقعية
مستوحاة من knockin’ on heaven’s door

Advertisements

الأوسمة: , , , ,

4 تعليقات to “تداعيات 5 : في السجن”

  1. حسام الأخرس Says:

    وعاء حساء العدس وبعض الخبز اليابس في المكان الذي اعتاد أن يجد فيه سطل حيث يبول الجميع قمة الذل وصورة معبره جدا تدوينه موفقة وجميلة

  2. مجنون Says:

    يبدو انها ليست مجرد short story

    لا بد وأنها true story
    كما تقولُ أنت دائماً : القصة لا ترتبط باحداث واقعية ، لولا بقاء بعض آثار الكدمات على ظهر أحدهم ..

    كعادتك رامي ..
    لك نكهتك الخاصة .

  3. uramium Says:

    شكراً لمروركما ، أعتذر عن الخلل في نشر القصة كاملة

    تحياتي

  4. ملخص تدوينات أبريل « uramiumian thoughts Says:

    […] تداعيات 5 في السجن : قصة ليلة أبت أن تنتهي لدى سجين استهلكت الأيام روحه بعد جسده. […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: