تداعيات 4 : أمي !

الجميع متوتر .. بعضهم يهرول باتجاه الهاتف أو المغسلة ، والبعض الآخر متكوم فوق جسد أبيه الهامد، يتحدثون بتوتر .. بدت أمه صفراء الوجه، وأخوه الأكبر ينهر أحدهم على الهاتف، أغلق السماعة

– “لن ينفع الانتظار ، دعونا ننقله فوراً”

– “قد نؤذيه بهذه الطريقة، ابقوه” لم يعط الأخ الأكبر بالاً لكلام العم، حمل أبيه على كتفه وصاح بالآخرين ليلتقطوا الكتف الآخر.

وسط كل هذا وقف متأملاً، كل من حوله، بدوا عمالقة مرعبين ، فالكل يحمل وجوها عابسة صامتة. رفع رأسه لأقصى درجة ليتابع وجه أمه، منتظراً أن تنظر إليه دون فائدة.

جرى الجميع باتجاه الدرج نحو باب البناء إلا هو ظل متمسكاً بسياجه، متشبثاً به، وكأن البناء سيقلب عليه بعد لحظة، تركه الجميع واقفاً لوحده، يحمل الهواء من حوله برداً وصمتاً يخترقه “بربرة” في أسفل الدرج، مرت دقيقة ولم يصعد لعنده أحد، فقرر بدء هبوط الدرجات ويده تزداد تعرقاً وانزلاقاً مع كل درجة ينهيها حتى وصل للأسفل، تفحص عيون الموجودين باحثاً عمن يخرجه من هذا، وجد أخته

– “سمر !” قالها بيأس، التفتت اليه، واتجهت نحوه بانتفاض

– “ماذا تفعل هنا !، هيا” امسكت يده وجرته حتى كادت رؤوس أصابع قدميه تلامس الأرض، وفي غرفة يدخلها ضوء خافت من الشارع ووضعته مع أولاد عمه، كانوا فتياناً مزعجين، لم يكن يحبهم

– “مالذي حدث له” قالها ابن عمه للآخر في الغرفة

– “يقولون نوبه، لم أعرف بالضبط .. لا أحد يعرف ، لم يحصل معه هذا من قبل”

مر الوقت، دون أن يعي ما حوله ، ظل متسمر البدن نصف ساعة أو أكثر، سمعت ضجة توقف سيارات ، ودخل أغلب أقاربه البناء، كان ينتظر دخول أمه، لم تكن بينهم ، ولا أبيه، أين بقوا ، ماذا حصل لأبيه؟

– “ماهر، اذهب للمختار وحضر أوراق الدفن، وأنت محمد، إذهب للشيخ مأمون وأخبره بما جرى ليعد الأمور”

لم يتغير التوتر والعبوس، بل زادها أصوات بكاء نساء العائلة في الغرف العلوية، بحث من حوله ، لم يجد أحداً من أخوته.

أحس بجوانبه ترتجف ، اتجه نحو ابن عمه

– “متى سيأتي أبي وأمي”

– “بعد قليل، أجلس” قالها ابن عمه وعاد من جديد برأسه صوب النافذة يراقب الوافدين، وماهي إلا ثوان حتى التفت إليه وقال “هاقد أتوا”

ركض نحو الباب ليستقبل أمه، وقد ارتاح قلبه رغم حزن كل من حوله، حتى تجمد قرب الباب، لم يكن وجه أمه كما تصوره، كانت تبكي.. وأخوه يبكي، بدأ الناس يقتربون منهما، لم يستطيع اختراق الجموع

– “أمي .. أنا هنا.. أمي ..” كان الصخب أعلى من صوته، دفعته زوجة عمه نحو الغرفة ذاتها، تفلت منها، وعاد للزحام

– “أمي .. ” كان الزحام يهزه يمنة ويسرة، توقف من جديد .. وأخذ البكاء طريقه في روحه خروجاً لعينيه وحلقه الجاف

القصة أيضاً وهمية وأبطالها لا زالوا أحياء في مكان ما

Advertisements

الأوسمة: , , ,

5 تعليقات to “تداعيات 4 : أمي !”

  1. S@NA Says:

    أسلوب جذاب .. ما زلت تخترق حياة ابطالك وتحاول العبث في قصص خيالية ثم تعاود الاعتذار منهم بقولك “القصة وهمية” 🙂

    دمت ..
    ودام قلمك 🙂

  2. uramium Says:

    لأني لا أنسخ أحداثاً واقعية بل أحوال
    تحياتي لك والشكر لمرورك

  3. GMR Says:

    ما قرأت جميل , وأنا واثق أن ما لم يكتب بعد .. هو أجمل ,

    تحياتي وبانتظار المزيد

  4. uramium Says:

    شكراً لمرورك ولشهادتك

  5. ملخص تدوينات آذار « uramiumian thoughts Says:

    […] تداعيات 4 : هل نفقد أحياناً اتصالنا بالأطفال عند حدوث ما يأخذنا بقسوته بعيداً عنهم .. كيف يكون الأمر بالنسبة لهم؟ […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: