تداعيات 3 : على عتبة الليل

– “حضروا جيداً .. كما قلت ببداية المحاضرة، الاختبار التمهيدي الأسبوع القادم، يعطيكم العافية”
خرج المدرس من القاعة، ولحق به من حضرها .. كانوا تسعة فقط ، لا يهتم البقية بالمحاضرات المسائية.
نظر إلى ساعته ، كانت تشير للسادسة إلا ربع، جمع أوراقه ودفتره واتجه نحو باب القاعة، ارتعد بدنه لنسمة باردة تسللت لتضيع في الداخل، كان ينصت لوقع أقدامه وصداه في ذاك البهو الطويل المظلم، راقب خياله المختبئ خلفه من الإنارة المخنوقة عند باب مجمع القاعات، استوقفه ظلام المساء هناك
– “يالها من نقمة”
قالها في نفسه ، وهو يتذكر مشهد حديقة الجامعة ظهر اليوم، يبدأ النهار وينتهي ولم يضف لذاته سوى مزيد من الألم في الرأس، وشوق للقاء الطعام في غرفته حيث يقطن، لابد أن يكون قد ترك لي قليلاً من مكعبات البطاطا والبصل من طبخة البارحة.
مد يده لجيبه وأخرج كل مافيها ، ورقتين من فئة المئة وورقة لخمسين وقطعتين معدنيتين، خمسة وعشرة وبمعادلة سريعة:
– “اليوم هو السادس عشر، بقي 14 يوماً لنهاية الشهر إذا ضربناها ب 10 ليرات أجرة سرفيس يبقى لدي … مئة وخمس وعشرون”
وبدأ دماغه يعمل من جديد، كيف وماذا سيفعل بكنزه الصغير هذا حتى نهاية الشهر، تابع السير نحو باب الكلية، وكاد أن يوقف سرفيساً إلا أنه تذكر قول خالد ، شريكه في الشقة المستأجرة
– ” متى ستعود غداً، هل لك أن تتأخر قليلاً، صاحبتي سترجع معي عالشقة”
– “يالها من نقمة” قالها في نفسه، وأخذ يفكر في مكان يجلس فيه ريثما ينتهي موعد شريكه الغرامي
– “قلبه طيب رغم كونه زير نساء، فهو يسبقني بصنع الطعام، ويرتب الغرفة عندما أتأخر” بهذه الكلمات برر لنفسه كالعادة ومن جديد ساعته التي سيقضيها في الحديقة العامة.
مساء هادئ، رغم الوقت المبكر، قليل من السيارات تمر مسرعة من أمامه ، بعض الوجوه تتجاوزه، تفحصها جميعاً
“هذا يبدو ثرياً، وذاك يحمل حقيبة يبدو أنها لحاسب محمول، وهذين متحابين، استطيع أن أرى الارتباك على وجه الشاب، وبسمة وترقب على وجه الفتاة التي معه، تلك السيدة تبدو عاملة عادت للتو من عملها، هذا الرجل يبدو طيب القلب ، يتحدث لابنه ممسكاً بيده ويضحكان”
توقف عند الدرج الموصل إلى الحديقة، ألقى نظرة على مجرى بردى الخاوي من الماء، وبدأ بالهبوط، كان مشهد أشجار الحديقة مرعباً ، تعلو فوق مصابيحها البيضاء، كانت خاوية تقريباً إلا من بعض المشردين في جوانبها، استقر نظره على مقعد تحت ضوء ، كان رومنسياً ارتعد من جديد للسعة البرد التي تلقاها من خشبه البارد على ظهره، رمى أشياءه بجانبه وبدأ يتأمل ما حوله
– “ترى ماذا تفعل مريم الآن؟” نفس المشهد يكرر في ذاكرته خدودها الممتلئة وردية اللون تحاصر فماً صغيراً مبتسماً وهي تسكب الشاي له ولعمه الذي يسأله عن أحواله، تذكر حديثما الأخير، تذكر وقوفها مكتوفة الأيدي أمامه، مستمعة لما يقول عن الجامعة وعن سنته وسنينه الثلاث المتبقية له هنا بعيداً عن بيته، وعن كابوس خدمة الجيش الذي يطارده في لحظات شروده.
– “الأيام تمر بسرعة، كلها خمس سنين وسأكون منتهياً من دراستي والخدمة وسأطلبك من عمي”
ابتسم لصورتها في ذهنه، أخرج محفظته ونظر لصورة أعطته إياها قبل عام، كانت صغيرة، صورة قديمة لها في معسكر العاشر.
ومرت ساعة، نهض واتجه نحو المخرج، مستوقفاً صرير أمعائه، لم يكن قد أكل أو شرب شيئاً من الصباح.
– “أدفع عمري ثمناً لطبق مجدرة من يد أمي.. أمي، اشتقت لها”
قالها وقد بدى له في نهاية الشارع كشك هاتف عام، اسرع الخطى نحوه، رفع السماعة
“الحمد لله، إنه بعمل” وبدا بطلب الرقم “…..033” بيد مرتجفه، كان ذاك التتابع يترك في نفسه أثراً طيباً لدرجة أنه كان يمرره على آلته الحاسبة أثناء المحاضرات.
– “ألو ..”
– “ألو ، مرحبا .. كيفك أمي.. أنا طارق”
بدأت رجفه بغزو صدره، لم يكن البرد
– “كيفك يا أمي ,.. كيف دراستك ، عم تاكل منيح.. أمي تعا هالخميس والجمعة، خلينا نشوفك”
– “لا أستطيع ، بدأنا فترة الامتحانات التمهيدية ربما في آخر الشهر، سأكون مشغولاً”
أفقده رنين صوتها حواسه، محولاً ذاك الكشك لما يشبه قبراً عامودياً …
– “طيب أمي، سلمي على أبي، يجب أن أذهب الآن”
أقفل السماعة، تلقفه المسند المعدني في الكشك، بينما هاجتمه دموعه.. وتردد صدى حشرجته تحت جسر قريب.
أحداث هذه القصة وهمية، مستمرة رغم تغير بطلها
مستوحاة من Daffodil Lament

Advertisements

الأوسمة: ,

5 تعليقات to “تداعيات 3 : على عتبة الليل”

  1. lamis Says:

    أعشق هذا النوع من القصص القصيرة التي تهتم بالتفاصيل وتمنحنا إحساساً خاصاً
    تعاطفت مع طارق كثيراً ورغم أنه شخصية وهمية إلا أني أعتقد بوجود هذه الشخصيات بيننا و أتألم أني لا أستطيع فعل شيء تجاهها
    سلمت يداك

  2. uramium Says:

    شكراً لمرورك

  3. ayhamjzzan Says:

    عن جد القصة مميزة وأسلوب كتابتها شيق
    (( ذكرتني بحالي وهو عم يحسب ويعد المصاري والإيام يادلي .. ))

  4. uramium Says:

    تذكرت بعضاً مما حدث معي عندما كتبتها ، شكراً لمرورك أيهم

  5. ملخص تدوينات آذار « uramiumian thoughts Says:

    […] تداعيات 3 : تراكمات صغيرة مضحكة في سخفها وضآلتها تشل الروح عند وصولها إلى ثقل لا تستطيع حمله. […]

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: