يومي الكئيب

البيت هادئ ، كما في كل يوم في هذ االوقت، ليس هادئاً تماماً ، فصوت مطرقة أبو وليد الحداد يرن بين جدران زقاقنا “تك .. تك .. تك” أتخيله يطرق على إيقاع تلك الأغنية “باب البوابة ببابين .. قفولة ومفاتيح جداد”، هههه يالي من أجدب.
غرفتي أجمل اليوم فالشمس تدخل إليها وتعكس الماء الراقد في المغسلة ومع كل قطرة تسقط فيها ترقص ظلال مضيئة على الجدران.
جلست على صوفايتي أنظر إلى صندلي الممزق ، يجب أن أتحمله لشهرين أو ثلاثة، لا زلت أذكر كيف صاح عمي بأخي خالد عندما طلب منه اقتطاع 120 ليرة من غلة بسطته لشراء حذاء بدل حذائه الذي مزقه من حافته الأمامية حين لعب الكرة مع شباب الحارة الخميس الماضي.
“ياله من يوم مزعج، كيف سأبرر العشر ليرات التي اشتريت بها معروك البارحة ، نفدت ليلة البارحة لأن عمي لم يحاسبني بالغلة لكنه سيذكر اليوم بالتأكيد، يالله .. بيعيني الله على هالقتلة كلهم كفين ورفسة بالكثير”
يبدو اني تأخرت .. لن أغسل وجهي، أين وضع خالد كيس الدخان ؟ هاهو .. يجب علي أن أصلح طاولة البسطة .. فقد تزعزعت مساميرها منذ آخر كبسة من شرطة البلدية وكذلك قشاطها يحتاج لخياطة
“صباح الخير عمي أب رفعت !”، لم أخبركم عن أبو رفعت، هو السمان بأول طلعة الحي لدينا، محله صغير وكان غرفة من بيته لكنه فتحه على الشارع بعدما تقاعد من الجيش، أحب رائحته ، هي خليط من رائحة الصابون والبسكويت والبهارات، أحياناً أتعمد التأخر في المحل لأشمها أكثر.
الطريق طويل، لأسلي نفسي أقفز على طرفي ساقية الماء في الشارع لكن ليس لوقت طويل، لأن حملي ثقيل، هاقد وصلت، كراج السرفيس آخر الخط والزحام لا يحمل.
بدأت أرى حجري من رأس الشارع ، فأسرعت الخطى ، أنتم لا تعرفونه، عندما دهنت البلدية حجار الرصيف في حينا اخترت هذا الحجر لأركن إليه بسطتي ، هو حجر أسود ومقصوص بشكل أنيق ويقع على زاوية الطريق، أحبه لأن المطر لا يكوم الماء عنده ويراني الناس عندما أجلس عليه من الشارعين الذين يطل عليهما.
وصلت إليه ، علي ترتيب الدخانات مثل البارحة حسب لون العلبة، التي لونها أحمر أولاً ومن ثم اليبضاء وأخيراً الزرقاء والصفراء وعلى الجانب الآخر المعسل
هاقد بدأ نهاري، ساحة الكراج مرشوشة بالماء من سيارة البلدية فجر اليوم وهي نظيفة ، بالتأكيد لن تكون كذلك عند نهاية النهار

يتبع …

مهداة إلى R.I
Advertisements

الأوسمة: , , , , , ,

7 تعليقات to “يومي الكئيب”

  1. fatosha Says:

    كيف لنهاراتنا “بوجود كآباتهم” أن تفرح ..

    انظر في الصورة هنيهة ، مممم ماذا لو استبدلنا الجدار الأزرق، بباب مفتوح..

    وألبسنا الطفل ذو البشرة البيضاء لوناً أزرق، ماذا لو كان يجلس محاولاً ربط حذائه قبل أن يقرع الجرس..

    ممممم طيب ماذا لو ألبسنا الطفل الآخر طقماً نيلياً.. ماذا لو كان يحمل عوضاً عن هذه كراساً للرسم وعلبة تلوين !!!..

  2. مستر بلوند Says:

    يا رجل شو هالمآسي .. طول بالك علينا شوي ..

    واقع نحن مرغمين أن نعيش فيه ونتعامل مع كل منغصاته ..

  3. Ahmad Edilbi | أحمد إدلبي Says:

    صراحة اسلوبك الدرامي شيق .. ولكن اعذرني فلم استطع
    أن أجد سبباً لكآبة هذا النهار !!
    صدقني الكآبة تأتي من فعلا اللاشيء

    والله يجعل كل أيامك سعيدة
    سأتابع أكثر هذه التدوينة لأعرف تماماً ماترمي إليه
    تحياتي

  4. Rami Says:

    أتعلمون أمراً؟
    بالنسبة لـباسل (الطفل في هذه القصة) الحياة ليست كئيبة ، يعيشها بكشل طبيعي ، لا يوجد ما يحزنه ، هذه هي حياته ، ولكنه يمر بمنغصات بسيطة ذكرتها بالقصة لولاها لما كان بضيق، ما تستشعرونه من كآبة وبؤس هو أثر التفاضل بين عالمنا وعالمه أحلامنا وتلك التي يملكها.

    فتوشة : ماقلته صحيح بالنسبة لنا ، نحن، ومانراه خارج إطار رؤياه، قد يكون الأمر مرعباً وغير مجد بالنسبة له (أقصد التعلم) ، أشكر مرورك على مدونتي
    الأخ مستر بلوند:أكيد، الانسان أكثر المخلوقات قابلية للتكيف، والعربي أكثرهم قابلية، أشكر مشاركتك
    الأخ أحمد الأدلبي: نقف محتارين أمام تحديد مصدر لكآبتنا في بعض الأحيان ، خاصة عندما تتشكل هذه الكآبة فسيفسائياً.

    أعزائي، للأسف لايوجد Plugin للحفاوة الالكترونية ، وإلا لكان ترحيبي بكم مختلفاً، شكراً مرة أخرى، سأكتب الجزء الثاني والثالث (الأخير بتدوينات منفصلة)

  5. Yasser S Says:

    الأمور نسبية فما نستهجنه نحن يراه غيرنا أمراً عادياً بل و طبيعياً ربما باسل وجد الأنسب له أن يترك المدرسة ليعيل أسرته و كم من مليونير في البلد بدأ حياته “بياع بسطة”.

  6. lamis Says:

    ما من شيء يوجعني ويؤلمني قدر هذه الصور التي لاتنم إلا عن حياتنا البائسة التي لم تستطع أن تمنح للأكفال حتى أبسط حقوقهم أتمنى أن أستطيع تغيير هذا الواقع وأن يصدر قرار يمنع تشغيل الأطفال حتى يكملوا تعليمهم مارأيك حتى يتموا ال18 فعلاً نحن بحاجة لهكذا قرار حتى لا نكون جميعاً مسؤولون عن قتل البراءة ( حين قرأت التدوينة لم أستطع إلا أن أشارك وأكتب ما يدور في رأسي هذا الموضوع بالذات يهزني )

  7. Rami Says:

    ياسر:
    صحيح قسوة الحياة تعلم التصميم والمثابرة، غرضي من القصة أن ندرك بعض المسافات والهوامش وتغير مداها بيننا وبينه، أن نقرأ أنفسنا بباسل قبل أن نقرأه هو.
    أن ندرك المسافة بين باسل ومشاكله، المسافة بيننا وبين مشاكلنا، وأخيراً المسافة بين ما نعتبره أزمة وبين ما يعتبره هو مشكلة.

    لميس:
    أظن أن ما يأتي بالدرجة الأولى بالنسبة للأطفال هو وجود بيئة جيدة وصحية لنموهم (نفسياً واجتماعياً) وهذا أمر لا يدخل فيه لا المادة ولا العلم.. هي أمور تأتي ثانياً وتأتي نتيجة حتمية لهذا النمو الصحي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: