مرحباً، أنا هنا رغماً عن أنفك

هذا ما أشعر به ، ويمر بي وعلي يومياً، وفي كل مرة يبرز ذات التساؤل، لماذا أنا كشخص سوري خصوصيتي هي ملك من هب ودب، وشأني هو شأن كل من يصادف أن يكون مكاناً وزماناً قريباً مني.

نحن أكثر شعب يحدق ببعضه البعض، كيف؟ اجلب كرسياً واجلس في منتصف أي سوق مزدحم في دمشق وراقب عيون الناس ، تجد أن المارين يحدقون ببعضهم البعض، يعاينون أشكال وأجسام وأشياء الآخرين أكثر بكثير من تلك المعروضة على واجهات المحلات المزينة والمضاءة بشكل مميز.

هل جربت أن تشغل اللابتوب في “بولمان” أثناء سفرك لإنجاز أمر ما أو كترفيه، أراهن أنه يمكنك فعل هذا وشأنك، الذي يجلس خلفك وأمامك وبجانبك وكذلك مساعد السائق ومن ينزل ويصعد سيكون معك فيما تفعل، ولولا الخجل قد يقدم لك اقتراحاً فيما تفعل، أو يبدي انفعالاً إن كنت تشاهد مادة سينمائية.

قارئي الكتب والجرائد في الأماكن العامة من حدائق وحافلات ومطاعم ليسوا بأفضل حالاً، قد تجد يداً تستوقف قلبك لصفحة كتابك كي يتم قراءتها كما جرى مع أحد الأصدقاء.

هذا الدخول والتدخل ليس بما لديك فقط، بل بك أنت أيضاً ، في أواخر الثمانيانات وأوائل التسعينات كان وضع سماعات ear phones في الطريق والأماكن العامة، أقرب إلى الجريمة ودليل على أن من يفعل ذلك شاذ ومتهتك وعار على المجتمع ومسبب رئيسي في الاحتباس الحراري، كل شيء غريب كان ولازال مرفوضاً، قبل الحكم بجودته أو سوءه ، بفائدته أو ضرره، عليك أن تكون مثل “العالم التانيين”، ماتفعل وماتلبس هو شأن الجميع وليس شأنك وحدك.

دخلنا القرن الواحد والعشرين على أمل أن تتغير هذه الحقيقة وهذا الواقع، لكن عبث، حتى ونحن في العام 2008، لازال السبب الرئيسي لازدحام الطرق في المتفرجين على الحوادث من السيارات المارة أو في المتفرجين على فتاة تلبس ما لا تلبسه الأخريات (طبعاً بعد 3 أو 4 سنين يصبح لباساً شائعاً وأقرب للباس القومي)

ليس هذا فقط، بل رقمياً أيضاً ، ففي بريدك الالكتروني كم من الإعلانات والجرائد الرقمية تأتيك دون طلب اشتراك منك؟ افاجأ بكثير منها في بريدي ، وهي جرائد وإعلانات سورية، ولاأظن أن أحداً غيرنا يبدع باستخدام بريد الأفراد دون إذنهم مثلنا، بل وتباع قوائم البريد بين الشركات مثل بيع السلع الأخرى، وإن طلبت لأحدهم ان يتوقف عن الإرسال، ستلقى أحد جوابين ، إما السخط والنتر والغضب ، أو سيستمر بإزعاجك دون رد، قليلون هم من يضعون (إلغاء الاشتراك من القائمة البريدية) في نهاية إعلاناتهم، أنا لا أتحدث عن شركات صغيرة، ممن يفعل هذا في دمشق شركات مثل تاون سنتر وجريدة قاسيون، جريدة سوريا الغد، شركة Teach Arabia وكثيرون غيرهم ممن لم أسجل لديهم أو أطلب إليهم الاشتراك، هنا الأمر غير مهم ، فإذنك باستخدام بريدك ليس ضرورياً، طالما أنه كشف “راحت عليك”.

دعنا من الحديث عن الانترنت، ومن الحديث عن لوحات إعلانات “معلمي الصحية” التي تملاً أبواب الأبنية بواقع 40 – 80 ملصق عند كل باب بناء لا يتغير شيء بين الواحدة والأخرى غير اسم الشركة (شركة= معلم +الصبي تبعه+العدة)، ولنتحدث عن الطرق التسويقية الحديثة الغبية في هذا البلد، نعم، عندما يقرع جرس المنزل افتح الباب وقد تجد، مسوقاً لعطور رخيصة، أو مواد تنظيف أو مواد تجميل أو مسوقاً مع ميزات أخرى مثل سارق وربما مجرم أو مغتصب،وإن وقف على باب البيت لا بد أن تفتح، غالباً الخيار ليس بخيارك ، وكذلك الأمر بالنسبة لتوقيت حضوره.

أخيراً، أقصد الحصن الأخير المنتهك في خصوصيتك هو بالهاتف، سيرياتيل مستعدة لبيع ثيابها الداخلية مقابل إعلان SMS لشركة تدفع لهم مبلغاً من المال، هل تذكرون من فترة الاتصال الذي أتاكم من سيريتل يسألكم فيه موظفون من سيريتل عن معلومات خاصة بكم كالعنوان والعمل والعمر والأسرة..الخ؟ إن جاوبتم فقد دخلتم في قائمة إعلاناتهم الموجهة، وهذا يسهل عليهم اختيار مجموعة محددة من الزبائن ليرسل لهم إعلان معين، عند ورود أول إعلان على موبايلي اتصلت بالدعم الفني وطلبت إليهم عدم إرسال هذه الإعلانات.

إن التفتنا عن الموبايل إلى سلفه الصالح الهاتف الأرضي، نجد الحال ليس بأفضل، يذكرني المسوقين عبر الهاتف بأولئك الأطفال المنشورين بالأسواق الشعبية ، ويرغموك على شراء علكة لم تسمع بها بحياتك، في بداية تعاملي معهم كنت احترم كونهم يقومون بعمل مجبرين عليه فأتعامل معهم بلطف ، ولكن المسألة أنهم ليسوا كائنات حية، هم آلات، اكتشفت هذا بالعدد الكبير للمتصلين من أجل بيع أجهزة تصفية مياه، فكلهم يبدأون بنفس السيناريو وكلهم لديهم نفس الردود، عندما مللت صرت أشكر وأغلق السماعة فوراً لمجرد قولهم أنهم “من شركة … لبيع …”، من أين حصلوا على رقم هاتفي الأرضي ، ومن سمح لهم أن يعلنوا عبر هاتفي؟

وفي العمل أيضاً مئات الشركات التي تقوم بإنتاج المواد الدعائية (أقلام وشكلات مفاتيح … الخ تتصل شهرياً بموظفي الشركة) وغيرهم شركات أخرى للأمور التقنية ، كلهم متشابهين ، نفس الكليشة ، نفس اللهجة ، نفس الطرح ونفس المنتج ، المتغير الوحيد كما ذكرت هو أسماؤهم والوقت الذي يضيع منك بشكل متزايد ومتكرر.

– “عفواً أستاذ، بدي آخذ من وقتك خمس دقايق/ بدي حدد موعد أجي زوركم بالشركة”

لن تأخذوا لا من وقتي ولا من تعبي أكثر من هذا الموضوع

Advertisements

الأوسمة: , ,

5 تعليقات to “مرحباً، أنا هنا رغماً عن أنفك”

  1. sidimousalamhaya Says:

    صدقت و الله …

    كلامك يمكن معاينته في هذا الفيديو …

    http://es.youtube.com/watch?v=3qa1pF-xtFo

    و تم عرضه و مناقشته في برنامج تلفزيوني :

    http://es.youtube.com/watch?v=8NTnxU-8Mjg

    تحياتي

  2. ملتقى العرب Says:

    مشكور جدا جدا ..

  3. لماذا تحدّق فييّ؟ « بقليلٍ مِن … تستطيع … Says:

    […] مواضيع متعلقة : مرحباً أنا هنا رغماً عن أنفك – يوراميوم […]

  4. عطاالله Says:

    هذه مشكلة مزمنة في مجتمعنا …. الوقاحة الروتينية وعدم احترام الاخر ……. البارحة مساء عندما عدت الى المنزل رأيت واحد من تلك الملصقات اياها على الجدار المدهون حديثا …. تصور أنت تتعب وتدفع نقود للديكور لكي يبدو باب المنزل وما حوله جميلا …. ويأتي بعدها شخص أحمق يقوم بتشويهها …. حمد لله كان الصمغ مغشوشاً وقمت بنزعها من دون خسائر
    سعدت بقراءة تدوينتك أخي
    سلامي لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s


%d مدونون معجبون بهذه: